فخر الدين الرازي
242
تفسير الرازي
التفسير في غاية الحسن وثانيها : المراد بالنذر ههنا كل ما وجب عليه سواء وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء أو بأن أوجبه المكلف على نفسه فيدخل فيه الإيمان وجميع الطاعات ، وذلك لأن النذر معناه الإيجاب وثالثها : قال الكلبي : المراد من النذر العهد والعقد ، ونظيره قوله تعالى : * ( أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) * ( البقرة : 40 ) فسمى فرائضه عهداً ، وقال : * ( أوفوا بالعقود ) * ( المائدة : 1 ) سماها عقوداً لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان . المسألة الثانية : هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر ، لأنه تعالى عقبه بيخافون يوماً وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفاً من شر ذلك اليوم ، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجباً ، وتأكد هذا بقوله تعالى : * ( ولا تنقضوا الإيمان ) * ( النحل : 91 ) بعد توكيدها وبقوله : * ( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ) * ( الحج : 29 ) فيحتمل ليوفوا أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم . المسألة الثالثة : قال الفراء : وجماعة من أرباب المعاني . كان في قوله : * ( كان مزاجها كافوراً ) * ( الإنسان : 5 ) زائدة . وأما ههنا فكان محذوفة ، والتقدير كانوا يوفون بالنذر . ولقائل أن يقول : إنا بينا أن كان في قوله : * ( كان مزاجها ) * ( الإنسان : 5 ) ليست بزائدة ، وأما في هذه الآية فلا حاجة إلى إضمارها ، وذلك لأنه تعالى ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي سيشربون ، فإن لفظ المضارع مشترك بين الحال والاستقبال ، ثم قال : السبب في ذلك الثواب الذي سيجدونه أنهم الآن * ( يوفون بالنذر ) * . النوع الثاني : من أعمال الأبرار التي حكاها الله تعالى عنهم قوله تعالى : * ( ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ) * . واعلم أن تمام الطاعة لا يحصل إلا إذا كانت النية مقرونة بالعمل ، فلما حكى عنهم العمل وهو قوله : * ( يوفون ) * حكى عنهم النية وهو قوله : * ( ويخافون يوماً ) * وتحقيقه قوله عليه السلام : " إنما الأعمال بالنيات " وبمجموع هذين الأمرين سماهم الله تعالى بالأبرار وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : أحوال القيامة وأهوالها كلها فعل الله ، وكل ما كان فعلاً لله فهو يكون حكمة وصواباً ، وما كان كذلك لا يكون شراً ، فكيف وصفها الله تعالى بأنها شر ؟ الجواب : أنها إنما سميت شراً لكونها مضرة بمن تنزل عليه وصعبة عليه ، كما تسمى الأمراض وسائر الأمور المكروهة شروراً . السؤال الثاني : ما معنى المستطير ؟ الجواب : فيه وجهان أحدهما : الذي يكون فاشياً منتشراً بالغاً أقصى المبالغ ، وهو من قولهم : استطار الحريق ، واستطار الفجر وهو من طار بمنزلة استنفر من نفر ، فإن قيل : كيف يمكن أن يقال : شر ذلك اليوم مستطير منتشر ، مع أنه تعالى قال في صفة أوليائه : * ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) * ؟ ( الأنبياء : 103 ) ، قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن هول القيامة شديد ، ألا ترى أن السماوات تنشق وتنفطر وتصير كالمهل ، وتتناثر الكواكب ، وتتكور